محمد متولي الشعراوي

4119

تفسير الشعراوى

ويصمون الحق المال فيمنع عنه البغى فلا يأخذ أحد ثمرة عمل آخر وكفاحه عدوانا وظلما ، ومظاهر البغى كثيرة . ومن البغى أن تأخذ سلطة قسرا بغير حق ولكن هناك من يأخذ سلطة قسرا وقهرا بحق ، فإن كنت - على سبيل المثال - تركب سفينة ، ثم قامت الرياح والزوابع ، وأنت أمهر في قيادتها أتترك الربان يقودها وربما غرفت بمن فيها أم تضرب على يده وتمسك بالدفة وتديرها لتنقذها ومن فيها ، إنك في هذه الحالة تكون قد أخذت القيادة بحق صيانة أرواح الناس ، وهذا بغى بحق ، وهو يختلف عن البغى بغير الحق . وحتى تفرق بين البغى البغى بحق والبغى بغير الحق نقول . إن هذا يظهر ويتضح عندما نأخذ مال السفيه منه للحفاظ عليه وصيانته وتثميره له ، فنكون قد أخذنا من صاحبه رعاية لهذا الحق ، فهو وإن كان في ظاهره بغيا على صاحب الحق إلا أنه كان لصالحه وللصالح العام فهذا بغى بحق أو أنه سمى بغيا ؛ لأنه جاء على صورة استلاب الحق من صاحبه ظلما ، ويسمى هذا في علم البلاغة مشاكلة وهي ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير ، ونقرأ أيضا قول اللّه : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . ( 40 ) [ سورة الشورى ] فهل جزاء السيئة يكون سيئة ؟ لا . وإنما هي سيئة بالنسبة لمن وقعت عليه ؛ لأنه لما عمل سيئة واختلس مالا - مثلا - وضربت على يده وأخذت منه المال فقد أتعبته ولذلك فالحق يقول : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) [ سورة النحل ] ومن بغى بغير حق علينا أن نذكره بأن هناك من هو أقوى منه ، أن يتوقع أن يناله بغى ممن هو أكثر قدرة منه . وينبهنا الحق إلى العمل الذي لا غفران له : وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً . ومحال أن ينزل الحق الذي نعبده شريكا له ويؤيده بالبرهان والسلطان والحجة